نجم سهيل
01-08-2010, 07:06 AM
" رواية تحت ظلال الزيزفون " أو " رواية مجدولين " .. للكاتب الكبير مصطفى لطفي المنفلوطي 1289 - 1343 هـ ....وهي من أجمل ما كتبه ... وهي أفضل رواية قرأتها في حياتي ولقد تصاغرت الروايات في عيني بعدها ..وهي في الأصل رواية فرنسية للكاتب الفرنسي "الفونس كار" ولم يكن المنفلوطي يحسن اللغة الفرنسية لكن أحد أصدقائه ترجمها له ونقلها إلى العربية فصاغها المنفلوطي صياغة رائعة وحبرها تحبيرا عجيبا حتى كأنها تبر الذهب صاغه إلى حلي وجواهر.. والحقيقة أن المنفلوطي لم يكن يقتصر على الأصل بل كان يخرج عن الأصل ويضيف زيادات ويستطرد بأسلوب أخَّاذ وممتع غاية الإمتاع .والعجيب في هذه الرواية أنها تستحوذ على قلب قارئها وتستلهب مشاعره وتوقد أحاسيسه ..حتى إن القارئ ليتفاعل مع مجريات الرواية ويشعر كأنه يعيش مع شخصياتها مباشرة , وربما تأثر القارئ ببعض أحداثها فسالت من عينيه دمعة تعبر عن تفاعله مع الرواية ... لقد كانت رواية مجدولين غاية في الروعة .. وكانت مستوحاة من المدرسة الرومانسية التي سيطرت على الأدب الروائي في تلك الحقبة وفيما بعد ... وقد اعتمد فيها على أسلوب المراسلة في تدوين أحداثها ،، تاركاً لعنصر الخيال دوراً أساسياً ، وهو ما جعل المنفلوطي يستغله أتم استغلال ويظهر فيه روعة قلمه ويضيف إلى الأصل لونا من الخيال البديع الفاتن . لقد تأثر المنفلوطي برواية الفونس كار ، وبادر إلى نقلها إلى اللغة العربية ، لما فيها من دعوة صريحة إلى التمسك بقيم الحق والخير والجمال التي تجسدها البيئة القروية الريفية الساذجة .. التي كانت تتزين بها فرنسا في تلك الحقبة .فأحداث القصة تدور في جو ريفي ، يتميز بالبساطة والعفوية والصدق والإخلاص والقناعة ، شبيهٍ بالجو الذي نشأ فيه المنفلوطي بمصر؛ على خلاف حياة المدينة القائمة على الخداع والكذب والغش والنفاق ، حيث يتهافت الناس على جمع المال دون مراعاة لأبسط المبادئ والقيم الخلقية . والرواية تحاول التأكيد على أن الخلاف الحاد بين بيئة القرية وبيئة المدينة ، يؤدي إلى خلاف أكثر حدة بين مفهومين للسعادة : أحدهما يعتبر أن السعادة هي نتيجة نجاح المرء في التلاؤم والتكيف مع الظروف الواقعية التي تحيط به. والمفهوم الآخر يعتبر أن المال هو مفتاح السعادة أياً كانت الوسائل المستخدمة في الحصول عليه.كان المنفلوطي _ كما أسلفنا _ يخرج عن الأصل غالباً ، فيلجأ إلى الاستطراد والتطويل وإلى الحذف والإضافة ، وفقاً لمزاجه ، أو رغبة في إظهار مقدرته البيانية حيناً ، واللغوية حيناً آخر . وكان ميله إلى المداخلة يدفعه إلى التخلي عن الترجمة الحرفية والانصراف إلى إسداء النصائح والإرشادات ، بما يتفق مع المفاهيم الأخلاقية السائدة في بيئته ، لأن معظم قرائه كانوا من شبان وشابات مصر وسائر الأقطار العربية.والرواية في أساسها ، تدور حول فتى اسمه ( استيفن ); من أسرة متوسطة الحال ، يحب المطالعة ، ويأنس للطبيعة ، ويجد لذته في العزلة والبعد عن الناس ؛ يترك منزله بعد وفاة أمه وزواج أبيه ، ليسكن وحيداً في غرفة متواضعة ، حيث يحبّ ابنه صاحب المنزل واسمها ماجدولين، فتبادله الفتاة الحب ، فتتغير نظرة الفتى إلى الوجود ، ويمتلئ قلبه أملاً وبهجة. وتتكرّر اللقاءات بين استيفن وماجدولين في أحضان الطبيعة الخلابة وعلى ضفاف الأنهر ، أو تحت شجرة الزيزفون القائمة في وسط حديقة المنزل ، أو في زورق على صفحة البحيرة القريبة من المنزل، فيحلم العاشقان بحياة مستقبلية سعيدة ، ويرسمان في خيالهما صورة بيتهما العتيد الذي سيضمهما ، وسيكون بيتاً متواضعاً تحيط به حديقة مزروعة بأزهار البنفسج ، وأشجار الزيزفون.ثم تمضي الرواية .. في بحر من الرومانسية العجيب البديع ...ولا أريد أن أكشف مضمونها لكي لا أذهب على القارئ لذة قراءتها فيما بعد ... لكني أقول : ماجدولين , و استيفن .. وفي الحياة الكثير .. بين الوفاء والغدر .. بين الحقد والغفران .. بين الثروة والفقر .. بين الطمع والزهد .. و يبقى الحب .... كتبها ألفونس كار وأبدع .. وترجمها المنفلوطي بتصرف وأبدع كذلك .. وتركا لنا رواية تؤنس الشقي البائس و تلهم السعيد الهانئ .. وما بين الشقاء والهناء سوى شعرة .. ولا بين البؤس والسعادة سوى خيط رفيع معلق على حيطان الزمان .. فلا الهانئ هانئا أبدا .. ولا الشقي شقيا أبدا ... لا شيء في الدنيا أروع من الحب الفاضل .. ولا أصعب في الدنيا من الحب الفاضل .. فمن تذوق طعمه لا يغنيه عنه شيء في الدنيا .. فإن ذهب .. ذهب كل شيء ...سقيمة هذه الدنيا حين تلقي بأوهامها على الأحبة .. وتغريهم بسعادة الجسد على حساب سعادة الروح .. وما سعادة الجسد أبدا إلا بسعادة الروح ...استيفن فهم الدنيا وأوهامها .. كما فهمتها ماجدولين .. إلا أن استيفن فهمها منذ البداية ومجدولين فهمتها عند النهاية .. وما بين البداية والنهاية سوى قصة : ماجدولين.. أو .. تحت ظلال الزيزفون .. ولقد قال لها استيفن ناصحا ومحذرا : لا تصدقي يا مجدولين أن في الدنيا سعادة غير سعادة الحب فإن صدقتي فويل لك منك فإنك قد حكمت على قلبك بالموت .ولكن هل صدقت مجدولين......لقد أطلقت تلك العبارة التي قتلت استيفن فيما بعد حين قرأها : لمَ لمْ تعف عني يا استيفن ؟ ...فلماذا العفو ولماذا لم يعفُ , ولماذا مات استيفن !! لقد مات استيفن وماتت مجدولين و انتهى كل شي فمن الذي نقض عهد الحب ؟ استيفن .. ؟ أم مجدولين.. ؟ أم كلاهما .. ؟ أم أن عهد حب بقي ولم يفارقها حتى دفنا في ضريح واحد؟ ..... أدع الإجابة لكم أعزائي القراء وأتمنى أن تعجبكم هذه الرواية وإن أعجبتكم فهي هديتي لقراء المنتدى الكرام .... لنجعل من القراءة متعة أشهى من كل متعة ...