control
02-28-2010, 08:14 AM
http://www.almarefh.org/newsm/2712.jpg
وبعد نهاية الحصة حملت يأسي المؤقت ليمتصني باب الفصل المجاور، وأنا أحمل من فصل إلى آخر دفتر التحضير والطباشير والوسائل، إلى حصة النصوص وقصيدة السموأل (من شمائل العرب):إذا المرء لم يَدنَس من اللؤم عرضهفكـل رداء يرتديـه جميلفقرأتها في البداية ثم جعلت بعض الطلاب يقرؤونها، فكنت كلما انتهى طالب أقول له: أحسنت، قراءتك جيدة؛ لئلا أحطّمه، مع العلم أن طالب الابتدائي يُلام على هذه القراءة، فكيف بطالب الثالثة المتوسطة؟! ثم بعد أن شرحتُها عدت لأسأل لكي يشاركوا: ما معنى شمائل؟ فأجاب أحدهم بلا استئذان: أي شمال المملكة!! ـ ولا تصدقوا من قال: إني كدت أبكي كمدًا ـ هذا مع أني كنت شرحتها، فكيف لو كان سؤالي ابتداء؟ ثم بعد ذلك أعطيت هذا سؤالاً وذاك سؤالاً، ولكن لا جواب، ومن أجاب منهم فجوابه كصاحب شمال المملكة، فقلت ممازحًا لهم: إني أكاد أموت من أخطائكم، فإذا بصوت هامس يأتي من الزاوية الخلفية للفصل يقول: «عسى إن شاء الله» أُف!! إلى هذه الدرجة يكره الطالب المعلم، حتى وإن كان لأول مرة يراه؟!بعد ذلك قلت للطلاب: إن القراءة تُنمي لديكم حاسة التذوق الجمالي، وتعينكم علي جمال التعبير، وتوسع مدارككم... ثم أخرجت من حقيبتي كتاب (صور وخواطر) للشيخ علي الطنطاوي ـ رحمه الله ـ وقلت: هذا الكتاب قرأته وأنا في مثل أعماركم، وهأنذا أعيد قراءته في حصص الفراغ، وهذا الكاتب سهل أسلوبه ورائع وفيه طرافة، كل هذا لأحثهم على القراءة، لكن أحدهم تطوّع عن البقية وقال: ما الفائدة من القراءة مع أنك الآن معلم؟ كان جادًا في سؤاله، فأجبته بأن القراءة ليست مجرد تكليف ننساه ما إن تنتهي الدراسة، ثم اقتحمت ذهولهم بسؤال: من منكم يقرأ؟ فتهافتوا للجواب، إلا واحدًا، فقلت له قبل أن أسأل البقية: وأنت ألا تقرأ؟ فقال: في حياتي لم أقرأ غير كتب الدراسة إلا قصة الزير سالم؛ لأن الناس تحدثوا عنها حينما عُرضت في فضائية ما، فأحببت أن أقرأها، ولما استفسرت عن الطبعة التي قرأها علمت أن القصة فيها تحريف وفيها عامية أما أشعارها فكلها باللهجة العامية، سألت البقية عمّ يقرؤون، فقالوا بثقة : نقرأ الجرائد ومجلة كذا ومجلة كذا ـ وهما مجلتان تُعنيان بالأدب العامي، ولا تصدقوا من قال: إني كدت أبكي كمدًا ـ ومعلوم أن مجلات الأدب العربي الفصيح لا تصنع وحدها مثقفًا فكيف بمجلات الأدب العامي التي لا تُعنى ـ غالبًا ـ إلا بشعر الغزل؟ انتهت الحصة ولما ينته آخر أحلامي وآمالي، ذهبنا إلى الصلاة فإذا أغلبهم يُقاد إليها بسلاسل، كان بعض الطلاب يلتفت إلى زميله المجاور له قبل الإقامة فإذا صرخة من بعيد : « لا تلتفت يا حمـ » فبدلاً من أن يلتفت طالبان بعضهما لبعضهما التفت جميع من في المصلى! ثم بعد نهاية الصلاة قام أحد الزبانية لينصح الطلاب بخصوص الاختبارات لكن بإهانة كفيلة بأن تجعل الطالب يكره حتى المعلم الطيبة أخلاقه.كان الطلاب بعد الصلاة على موعد مع الخمول ـ كما كان كذلك بعض الأساتيذ ـ ففي انتظارهم كلاليب حصة سابعة، وكنت مكلفًا بتدريسهم مادة التربية الوطنية، لم أكن حينها خاملاً مع أنها الحصة السابعة، لكن الطلاب منذ الساعة السابعة صباحًا وهم يُصب من فوق رؤوسهم الحميم، لأن المواد التي يدرسونها نظرية بحتة ـ إلا ما ندر ـ ولم تكن تُعطى لهم بصورة ماتعة شائقة.شيء آخر جعلني أصطنع الفتور، هو أن مادة التربية الوطنية ترهل في التعليم؛ حيث إن الطالب لن يتفاعل مع درس يدرك أنه لا رسوب فيه، وحيث إنها منهج ثانوي، ثم إن الكم الهائل من المواد التي تُحفظ إلى أن تنتهي مدة صلاحيتها عند الطالب ـ بالنجاح ـ هي من المواد النظرية، بدليل أن الطلاب عندما أطلب منهم الإجابة الشفهية باللغة العربية لا يستطيعون ذلك، ومن حاول منهم ذلك فإن زملاءه سيتندرون به؛ يتصورون أن هذه اللغة اندثرت، ولم يبق منها سوى أكاذيب المسلسلات التاريخية !! فلو كانت هذه المادة مبثوثة في بقية المواد كالقراءة والنصوص؛ لكان هذا أجدر بنفعها.نثرت عند تلك المادة بقية آمالي، وخرجت من تلك المدرسة (البيت المؤجر) لا ألوي على شيء مصطحبًا يأسي المؤقت، وبقية يأسي لا تزال معي إلى حين كتابة هذا المقال.لم يكن يأسي بسبب ما وجدته في تلك المدرسة (البيت)، لا فليس ذلك كافيًا لأن يجعل مني جثمانًا من الآمال تكسّرت على عتبات المبنى والطالب والمنهج، لكنني التقيت آخر الفصل زميلاً لي (يطبق) في مدرسة أخرى، سألته عن الوسائل التي استخدمها، وما الملاحظات التي وجدها عليه المشرف، وهل أخبره المشرف بالدرجة التي نالها؟ قال لي: إن المشرف لم يدخل الفصل حين كنت أطبق، ولم أحضر في يوم ما وسيلة، أما الدرجة فهو أخبرنا منذ أول يوم أن درجاتنا ـ وكان معه اثنان ممن يطبقون ـ لن تقل عن سبع وتسعين من مئة!!أنا أعمى فكيف أهدي إلى المنــــهج والناس كلهم عميان؟بعكس المشرف علينا ـ زملائي وأنا ـ فقد كان يحضر كل يوم، وحسنًا فعل.فجعت والله، وإذا لم أُفجع الآن فمتى أُفجع؟! إذًا نحن نصلح لتدريس اللغة العربية قبل أن نُختبر!! ثم إننا ـ نحن طلاب تلك الجامعة ـ لا نطبق إلا كل اثنين فقط!! ـ ولا تصدقوا من قال: إني كدت أبكي كمدًا ـ.استعدت بعد وعكة يأسية آمالي الغضة، وعزمت أن أجعل الطالب يأخذ الدراسة متعة، ويعتبرنا أنا والكتاب صديقين له، أما المباني والمناهج فهي من شأن وزارة التربية والتعليم وإدارة التعليم.. ولكنني سأسعى لأُوقف زيدًا عند حده
راقت لي
وبعد نهاية الحصة حملت يأسي المؤقت ليمتصني باب الفصل المجاور، وأنا أحمل من فصل إلى آخر دفتر التحضير والطباشير والوسائل، إلى حصة النصوص وقصيدة السموأل (من شمائل العرب):إذا المرء لم يَدنَس من اللؤم عرضهفكـل رداء يرتديـه جميلفقرأتها في البداية ثم جعلت بعض الطلاب يقرؤونها، فكنت كلما انتهى طالب أقول له: أحسنت، قراءتك جيدة؛ لئلا أحطّمه، مع العلم أن طالب الابتدائي يُلام على هذه القراءة، فكيف بطالب الثالثة المتوسطة؟! ثم بعد أن شرحتُها عدت لأسأل لكي يشاركوا: ما معنى شمائل؟ فأجاب أحدهم بلا استئذان: أي شمال المملكة!! ـ ولا تصدقوا من قال: إني كدت أبكي كمدًا ـ هذا مع أني كنت شرحتها، فكيف لو كان سؤالي ابتداء؟ ثم بعد ذلك أعطيت هذا سؤالاً وذاك سؤالاً، ولكن لا جواب، ومن أجاب منهم فجوابه كصاحب شمال المملكة، فقلت ممازحًا لهم: إني أكاد أموت من أخطائكم، فإذا بصوت هامس يأتي من الزاوية الخلفية للفصل يقول: «عسى إن شاء الله» أُف!! إلى هذه الدرجة يكره الطالب المعلم، حتى وإن كان لأول مرة يراه؟!بعد ذلك قلت للطلاب: إن القراءة تُنمي لديكم حاسة التذوق الجمالي، وتعينكم علي جمال التعبير، وتوسع مدارككم... ثم أخرجت من حقيبتي كتاب (صور وخواطر) للشيخ علي الطنطاوي ـ رحمه الله ـ وقلت: هذا الكتاب قرأته وأنا في مثل أعماركم، وهأنذا أعيد قراءته في حصص الفراغ، وهذا الكاتب سهل أسلوبه ورائع وفيه طرافة، كل هذا لأحثهم على القراءة، لكن أحدهم تطوّع عن البقية وقال: ما الفائدة من القراءة مع أنك الآن معلم؟ كان جادًا في سؤاله، فأجبته بأن القراءة ليست مجرد تكليف ننساه ما إن تنتهي الدراسة، ثم اقتحمت ذهولهم بسؤال: من منكم يقرأ؟ فتهافتوا للجواب، إلا واحدًا، فقلت له قبل أن أسأل البقية: وأنت ألا تقرأ؟ فقال: في حياتي لم أقرأ غير كتب الدراسة إلا قصة الزير سالم؛ لأن الناس تحدثوا عنها حينما عُرضت في فضائية ما، فأحببت أن أقرأها، ولما استفسرت عن الطبعة التي قرأها علمت أن القصة فيها تحريف وفيها عامية أما أشعارها فكلها باللهجة العامية، سألت البقية عمّ يقرؤون، فقالوا بثقة : نقرأ الجرائد ومجلة كذا ومجلة كذا ـ وهما مجلتان تُعنيان بالأدب العامي، ولا تصدقوا من قال: إني كدت أبكي كمدًا ـ ومعلوم أن مجلات الأدب العربي الفصيح لا تصنع وحدها مثقفًا فكيف بمجلات الأدب العامي التي لا تُعنى ـ غالبًا ـ إلا بشعر الغزل؟ انتهت الحصة ولما ينته آخر أحلامي وآمالي، ذهبنا إلى الصلاة فإذا أغلبهم يُقاد إليها بسلاسل، كان بعض الطلاب يلتفت إلى زميله المجاور له قبل الإقامة فإذا صرخة من بعيد : « لا تلتفت يا حمـ » فبدلاً من أن يلتفت طالبان بعضهما لبعضهما التفت جميع من في المصلى! ثم بعد نهاية الصلاة قام أحد الزبانية لينصح الطلاب بخصوص الاختبارات لكن بإهانة كفيلة بأن تجعل الطالب يكره حتى المعلم الطيبة أخلاقه.كان الطلاب بعد الصلاة على موعد مع الخمول ـ كما كان كذلك بعض الأساتيذ ـ ففي انتظارهم كلاليب حصة سابعة، وكنت مكلفًا بتدريسهم مادة التربية الوطنية، لم أكن حينها خاملاً مع أنها الحصة السابعة، لكن الطلاب منذ الساعة السابعة صباحًا وهم يُصب من فوق رؤوسهم الحميم، لأن المواد التي يدرسونها نظرية بحتة ـ إلا ما ندر ـ ولم تكن تُعطى لهم بصورة ماتعة شائقة.شيء آخر جعلني أصطنع الفتور، هو أن مادة التربية الوطنية ترهل في التعليم؛ حيث إن الطالب لن يتفاعل مع درس يدرك أنه لا رسوب فيه، وحيث إنها منهج ثانوي، ثم إن الكم الهائل من المواد التي تُحفظ إلى أن تنتهي مدة صلاحيتها عند الطالب ـ بالنجاح ـ هي من المواد النظرية، بدليل أن الطلاب عندما أطلب منهم الإجابة الشفهية باللغة العربية لا يستطيعون ذلك، ومن حاول منهم ذلك فإن زملاءه سيتندرون به؛ يتصورون أن هذه اللغة اندثرت، ولم يبق منها سوى أكاذيب المسلسلات التاريخية !! فلو كانت هذه المادة مبثوثة في بقية المواد كالقراءة والنصوص؛ لكان هذا أجدر بنفعها.نثرت عند تلك المادة بقية آمالي، وخرجت من تلك المدرسة (البيت المؤجر) لا ألوي على شيء مصطحبًا يأسي المؤقت، وبقية يأسي لا تزال معي إلى حين كتابة هذا المقال.لم يكن يأسي بسبب ما وجدته في تلك المدرسة (البيت)، لا فليس ذلك كافيًا لأن يجعل مني جثمانًا من الآمال تكسّرت على عتبات المبنى والطالب والمنهج، لكنني التقيت آخر الفصل زميلاً لي (يطبق) في مدرسة أخرى، سألته عن الوسائل التي استخدمها، وما الملاحظات التي وجدها عليه المشرف، وهل أخبره المشرف بالدرجة التي نالها؟ قال لي: إن المشرف لم يدخل الفصل حين كنت أطبق، ولم أحضر في يوم ما وسيلة، أما الدرجة فهو أخبرنا منذ أول يوم أن درجاتنا ـ وكان معه اثنان ممن يطبقون ـ لن تقل عن سبع وتسعين من مئة!!أنا أعمى فكيف أهدي إلى المنــــهج والناس كلهم عميان؟بعكس المشرف علينا ـ زملائي وأنا ـ فقد كان يحضر كل يوم، وحسنًا فعل.فجعت والله، وإذا لم أُفجع الآن فمتى أُفجع؟! إذًا نحن نصلح لتدريس اللغة العربية قبل أن نُختبر!! ثم إننا ـ نحن طلاب تلك الجامعة ـ لا نطبق إلا كل اثنين فقط!! ـ ولا تصدقوا من قال: إني كدت أبكي كمدًا ـ.استعدت بعد وعكة يأسية آمالي الغضة، وعزمت أن أجعل الطالب يأخذ الدراسة متعة، ويعتبرنا أنا والكتاب صديقين له، أما المباني والمناهج فهي من شأن وزارة التربية والتعليم وإدارة التعليم.. ولكنني سأسعى لأُوقف زيدًا عند حده
راقت لي