ZeroSeven
08-18-2011, 11:46 PM
التفكير بصوت مسموع
انقلابات مطورة
د.عبد الله بن موسى الطاير
خير للعاقل أن يتمسك بجهله من أن يفهم في الوقت الخطأ. وعندما كنت أستمع إلى الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي وهو يخاطب التونسيين بقوله "فهمتكم الآن" أدركت أن الرجل يقول كلاما في غير وقته ومكانه. فقد كان الموقف يتطلب إجراء غير ذلك تماما. لقد بعث بن علي رسائل مزدوجة فهم منها أنه يعرض مصالح قوى مؤثرة داخل تونس للخطر خصوصا عندما حرر الإعلام ووعد بأنه لن يترشح لانتخابات عام 2014م، وأن سلطته ضعفت، ما حدا بهم إلى التحرك في الوقت المناسب وإجبار الرئيس على الرحيل، وفي الوقت ذاته فهم الشارع أنه صاحب الفضل في إسقاط الرئيس وبسرعة كبيرة، فقفز أعوان الرئيس ووزيره الأول ووزراء حكومته على سدة الحكم واستولوا عليه.
أما الرسالة التالية فقد صدقها الشارع الذي بدأ يثق بقوته ويهدر بقوة ليصعب على الحكومة المؤلفة حديثا ترويضه وليؤكد أنه هو أيضا أمسك بالمبادرة. وقد استمد الشعب قوته من مرارة الحاجة واجتمع بكل تياراته حول قضية واحدة هي الأوضاع الاقتصادية المتردية؛ بمعنى أن الأحزاب والتيارات والتكتلات لم يكن لها أن تدعي ماحدث وتنسبه إليها.
لقد استغل الحرس القديم مشاعر الشارع التي تجلدها سياط الحاجة، وأوقد بتلك المشاعر المتأججة والمتصاعدة وسائل الإعلام التي لعبت دورا مهما في التسريع برحيل واحد من أكثر قادة العالم اطمئنانا إلى إجراءات حكومته الأمنية التي توصف بأنها من أنجح الأجهزة الأمنية قمعا في المنطقة؛ حيث نجحت ولو ظاهريا في تجفيف منابع التدين ومسخ المجتمع التونسي ليكون نسخة غربية مستعارة على أرض عربية ذات عمق تاريخي وضمن هوية عربية مسلمة.
عندها قفزت تلك القوى إلى السلطة واستولت عليها، ونصب الوزير الأول نفسه رئيسا مؤقتا، لتتوالى بعد ذلك الأحداث ويشعر الشارع أنه استغل أسوأ استغلال وليتنبه الإعلام إلى الفخ الذي سقط فيه، فيتغير مسار الأحداث ليسقط الغنوشي غير بعيد عن منصب الوزير الأول ويتولى رئيس مجلس البرلمان الحكم.
ليس هناك من لم يتفاعل مع الشارع التونسي، لكن من المهم أن نضع الأمور في أنصبتها الطبيعية حتى لايزور التاريخ. وأيا كان دور الشارع فيما حدث فإننا أمام دروس وعبر لايجب أن نتجاهلها وأن نعتبرها عرضية، فالذي حدث في تونس هو انقلاب من نوع مطور تضامن فيه الرئيس المخلوع بفهمه المتأخر وضعفه المفاجئ، والشباب اليائس البائس الذي أحرقته الحاجة وضيق ذات اليد، ورمز محمد بوعزيزي الذي بدأ الشرارة بقبس من جسده المشتعل، وإعلام بوسائله المختلفة وقنواته المتعددة اتخذ موقفا في قلب الحدث وليس مراقبا له فكان جزءا مهما في ذلك الانقلاب بتغذية أطرافه بمعلومات بعضها مبالغ فيه والآخر حقيقي قدم بأسلوب يستدر العواطف ويعمي سبل التفكير الموضوعي والمنطقي، ثم يأتي الجيش كمتضامن وضامن فيكون مصدر الأمن والثقة والقابض الفعلي على السلطة يحرك أطرافها كما يشاء من وراء ستار.
وأي بلغت قوة الأطراف المتضامنة في الثورة التونسية فإن النتيجة الأولى تحققت؛ وهي رحيل الرئيس بشكل ألقى بالرعب في قلوب عدد كبير من نظرائه، ولكن في واقع الأمر أنه أجبر على الخروج ليس تحت وطأة ضغط الشارع ولكن بأوامر من القوى غير المرئية التي تتسلم السلطة في معظم بلاد الدنيا والتي أدركت أن الرئيس متجه في فهمه المتأخر جدا لما يريده شعبه على حساب ما تريده النخب ذات المصالح التي لايجب أن تمس.
المصدر : جريدة الرياض
انقلابات مطورة
د.عبد الله بن موسى الطاير
خير للعاقل أن يتمسك بجهله من أن يفهم في الوقت الخطأ. وعندما كنت أستمع إلى الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي وهو يخاطب التونسيين بقوله "فهمتكم الآن" أدركت أن الرجل يقول كلاما في غير وقته ومكانه. فقد كان الموقف يتطلب إجراء غير ذلك تماما. لقد بعث بن علي رسائل مزدوجة فهم منها أنه يعرض مصالح قوى مؤثرة داخل تونس للخطر خصوصا عندما حرر الإعلام ووعد بأنه لن يترشح لانتخابات عام 2014م، وأن سلطته ضعفت، ما حدا بهم إلى التحرك في الوقت المناسب وإجبار الرئيس على الرحيل، وفي الوقت ذاته فهم الشارع أنه صاحب الفضل في إسقاط الرئيس وبسرعة كبيرة، فقفز أعوان الرئيس ووزيره الأول ووزراء حكومته على سدة الحكم واستولوا عليه.
أما الرسالة التالية فقد صدقها الشارع الذي بدأ يثق بقوته ويهدر بقوة ليصعب على الحكومة المؤلفة حديثا ترويضه وليؤكد أنه هو أيضا أمسك بالمبادرة. وقد استمد الشعب قوته من مرارة الحاجة واجتمع بكل تياراته حول قضية واحدة هي الأوضاع الاقتصادية المتردية؛ بمعنى أن الأحزاب والتيارات والتكتلات لم يكن لها أن تدعي ماحدث وتنسبه إليها.
لقد استغل الحرس القديم مشاعر الشارع التي تجلدها سياط الحاجة، وأوقد بتلك المشاعر المتأججة والمتصاعدة وسائل الإعلام التي لعبت دورا مهما في التسريع برحيل واحد من أكثر قادة العالم اطمئنانا إلى إجراءات حكومته الأمنية التي توصف بأنها من أنجح الأجهزة الأمنية قمعا في المنطقة؛ حيث نجحت ولو ظاهريا في تجفيف منابع التدين ومسخ المجتمع التونسي ليكون نسخة غربية مستعارة على أرض عربية ذات عمق تاريخي وضمن هوية عربية مسلمة.
عندها قفزت تلك القوى إلى السلطة واستولت عليها، ونصب الوزير الأول نفسه رئيسا مؤقتا، لتتوالى بعد ذلك الأحداث ويشعر الشارع أنه استغل أسوأ استغلال وليتنبه الإعلام إلى الفخ الذي سقط فيه، فيتغير مسار الأحداث ليسقط الغنوشي غير بعيد عن منصب الوزير الأول ويتولى رئيس مجلس البرلمان الحكم.
ليس هناك من لم يتفاعل مع الشارع التونسي، لكن من المهم أن نضع الأمور في أنصبتها الطبيعية حتى لايزور التاريخ. وأيا كان دور الشارع فيما حدث فإننا أمام دروس وعبر لايجب أن نتجاهلها وأن نعتبرها عرضية، فالذي حدث في تونس هو انقلاب من نوع مطور تضامن فيه الرئيس المخلوع بفهمه المتأخر وضعفه المفاجئ، والشباب اليائس البائس الذي أحرقته الحاجة وضيق ذات اليد، ورمز محمد بوعزيزي الذي بدأ الشرارة بقبس من جسده المشتعل، وإعلام بوسائله المختلفة وقنواته المتعددة اتخذ موقفا في قلب الحدث وليس مراقبا له فكان جزءا مهما في ذلك الانقلاب بتغذية أطرافه بمعلومات بعضها مبالغ فيه والآخر حقيقي قدم بأسلوب يستدر العواطف ويعمي سبل التفكير الموضوعي والمنطقي، ثم يأتي الجيش كمتضامن وضامن فيكون مصدر الأمن والثقة والقابض الفعلي على السلطة يحرك أطرافها كما يشاء من وراء ستار.
وأي بلغت قوة الأطراف المتضامنة في الثورة التونسية فإن النتيجة الأولى تحققت؛ وهي رحيل الرئيس بشكل ألقى بالرعب في قلوب عدد كبير من نظرائه، ولكن في واقع الأمر أنه أجبر على الخروج ليس تحت وطأة ضغط الشارع ولكن بأوامر من القوى غير المرئية التي تتسلم السلطة في معظم بلاد الدنيا والتي أدركت أن الرئيس متجه في فهمه المتأخر جدا لما يريده شعبه على حساب ما تريده النخب ذات المصالح التي لايجب أن تمس.
المصدر : جريدة الرياض